الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
58
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لأجلكم أنتم ، وكل ما ينشأ عن ذلك من فائدة أو بركة إنما يعود عليكم . الآية الأخيرة من هذه الآيات تشير إلى خمسة مواضيع فيما يتعلق بما سبق بحثه في الآيات السابقة : الأول : من الممكن أن يثير ما ورد في الآية الماضية من قوله تعالى : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد سؤالا في أذهان البعض من أن المقصودين في هذه الآية ليس المذنبين فقط ، إذ أن المؤمنين الصالحين موجودون في كل عصر وزمان ، فهل يمكن أن يكون هؤلاء أيضا معرضين للعقوبات المترتبة على أعمال الطالحين ، ويحكمون بالفناء على حد سواء ؟ هنا يجيب ولا تزر وازرة وزر أخرى . " وزر " بمعنى الثقل ، وقد اخذ من " وزر " ( على زنة كرب ) بمعنى الملجأ في الجبل ، وأحيانا يأتي بمعنى المسؤولية ويعبر بذلك عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل ، والوزير المتحمل ثقل المسؤولية من أميره ، والموازرة : المعاونة ( 1 ) ، لأن الشخص عند المعاونة يتحمل قسطا من الثقل عن رفيقه . وهذه الجملة تعتبر واحدة من الأسس الهامة في الاعتقادات الإسلامية ، والحقيقة أنها ترتبط من جانب بالعدل الإلهي ، بحيث يرتهن كل بعمله . وهو تعالى إنما يثيب الشخص على سعيه واجتهاده في طريق الخير ، ويعاقبه على ذنبه . ومن جانب آخر فإن فيها إشارة إلى شدة العقوبة يوم القيامة ، بحيث لا يكون أحد مستعدا لتحمل وزر عمل غيره على عاتقه مهما كان قريبا منه . والالتفات إلى هذا المعنى له الأثر الفعال في البناء الروحي للإنسان ، حيث يكون مراقبا لنفسه ، ولا يسمح لها بالفساد بحجة فساد الأقران أو المحيط ، ففساد المحيط لا يمكن اعتباره مسوغا لإفساد النفس ، إذ أن كلا يحمل وحده وزر ذنبه . ومن جانب آخر فإنه يفهم الناس ويبصرهم بأن حساب الله للمجتمع لا يكون
--> 1 - الراغب في مفرداته كتاب الواو .